محاربة الفساد وملاحقة المفسدين 

كان برس |

كثر الحديث في الأيام الأخيرة عن عزم الحكومة شن الحرب على الفساد , حيث أعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي بنفسه عن عزمه شن الحرب على الفاسدين وطالبهم بتسليم أموالهم أو يخسرون الأموال ويقبعون في السجن ولن يشعروا بالأمان , وكان ردّنا على رئيس الوزراء أنّ الحرب على الفساد تختلف تماماً عن الحرب على الإرهاب , بل إنّ الحرب على الفساد أصعب وأخطر من الحرب على الإرهاب , وليس هنالك شّك أنّ الحرب على الفساد هي الحرب المقبلة في العراق وستكون أصعب الحروب على الإطلاق , ولكن علينا أن نميّز بين محاربة الفساد وتجفيف منابعه من خلال الوقوف على أسبابه ومسبباته ووضع الحلول الجذرية لها , وبين ملاحقة المفسدين واسترداد الأموال التي سرقوها من المال العام العراقي .
فالفساد في العراق لا يشابهه أي فساد في العالم لا من حيث الكم ولا من حيث النوع ولا حتى من حيث الأسباب , فالفساد في العراق لم يعد حالة شاذة أو استثنائية تخص وزارة معيّنة أو محافظة أو مؤسسة أو حزباً أو سياسياً أو وزيراً أو نائباً أو مسؤولاً كبيراً في الدولة , بل أصبح قاعدة ضربت كل البنى الفوقية للمجتمع العراقي واستطاع أن ينفذ حتى إلى المؤسسة الدينية والقضائية وينفذ إلى سلوك وأخلاق الناس , وما يميّز الفساد في العراق هو فساد الطبقة السياسية الحاكمة , فالفساد السياسي في العراق هو أبو الفساد ويرتبط بالنظام السياسي القائم والعملية السياسية القائمة على أساس المحاصصات الحزبية والقومية والطائفية , وما الفساد المالي والإداري إلا نتاج للفساد السياسي الذي اختصّت به الطبقة السياسية والأحزاب الحاكمة , كما أنّ الفساد في العراق ليس نتاج إساءة استخدام السلطة للحصول على منافع ومزايا شخصية كما تقول عنه منظمة الشفافية الدولية , إنّما من خلال توظيف السلطة لممارسة الفساد وتوظيف الفساد لبلوغ السلطة .
وقد توّرط في هذا الفساد كبار المسؤولين والساسة ونوّاب الشعب , والحرب على الفساد تعني الحرب على النظام السياسي القائم , وتعني الحرب على العملية السياسية القائمة على أساس المحاصصات , وتعني الحرب على مؤسسات النظام التي نخرها الفساد والبيروقراطية , وتعني الحرب على الطبقة السياسية والأحزاب والقوى السياسية الحاكمة , وتعني الحرب على قيم الفساد التي لم تعد مخجلة ويمارسها الجميع بلا حياء , ولهذا فإنّ محاربة الفساد تختلف من حيث الإجراءات عن ملاحقة الفاسدين واسترجاع الأموال منهم , ومحاربة الفساد تتطلّب تجفيف منابعه والوقوف على أسبابه ومسبباته , وملاحقة الفاسدين والمفسدين تتطلّب انجاز ملّفات الفساد الكبرى وملاحقة المتورطين فيها بشجاعة وصلابة وبلا أي تهاون مع أي من المتورطين في هذه الملفات .. الجزء الثاني من المقال سيكون مخصصاً للمنهج العلمي والخطوات الواجب اتباعها في مكافحة الفساد وتجفيف منابعه , والجزء الثالث سيكون مخصصاً لملّفات الفساد الكبرى وملاحقة المتورطين فيها .

  • إياد السماوي
وسوم
اظهر المزيد

المقالات ذات علاقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق