العراق في معادلات إيران وأميركا والعرب

كان برس |

تبنى هنري كيسنجر بقوة ما عُرف بسياسة (العمودين) في المنطقة الخليجية، على أساس فكرة التوازن الإقليمي، بأن تكون إيران والسعودية هما عماد القوة فيها، بينما تبقى الدول الأخرى بما فيها العراق في المرتبة الثانية، وبذلك يمكن ضمان المصالح الأميركية. وقد تم اعتماد تلك السياسة لكونها تضمن خلق حالة تنافسية إيجابية بين طهران والرياض تجاه واشنطن.

لكن سياسة العمودين انهارت مطلع ١٩٧٩، بثورة الإمام الخميني، وإعلان الجمهورية الاسلامية. وقد تعامل جيمي كارتر مع سقوط الشاه على انه هزيمة شخصية له، في ردة فعل عالية الحساسية، خلافاً لمن سبقه من الرؤساء في مثل هذه الحالات، فقد أبدوا قدراً من التأني والتفكير حينما ينهار أحد الأنظمة الموالية لأميركا.

رفع الإمام الخميني شعار (لا شرقية ولا غربية) كهوية سياسية لإيران، وقد فهمه السوفيت إشارة إيجابية بأن إيران على الحياد في الحرب الباردة، لكن كارتر فهمه على أنه توجه عدائي، تحت تأثير شعور الهزيمة الشخصية، فأقدم على خطوتين غيرتا وجه المنطقة:

الأولى: اتخاذه قرار تقويض الثورة بأي شكل عن طريق دعم رجال الشاه ومنظمة مجاهدي خلق وان تكون السفارة الأميركية هي مركز العمليات لانقلاب سريع.

والثانية: طرح مبدأ (التدخل السريع) والذي يعني إنشاء قوات عسكرية جاهزة للتدخل في المنطقة الخليجية لحماية المصالح الأميركية مباشرة.

وقد قابل قادة الثورة الإسلامية ذلك بأن أميركا عدوهم الأكبر الذي يريد تقويض انجازهم التاريخي، فرفعوا شعار (الموت لأميركا) خصوصاً بعد ان تكشفت محاولاتها في قلب نظام الحكم، وقد تم العثور على مئات الالاف من الوثائق السرية في السفارة الأميركية بطهران، تم نشرها في سلسلة كتب تحت عنوان (وثائق وكر التجسس).

ثم جاءت العملية العسكرية التي حاولت تنفيذها قوات خاصة من التدخل السريع، والتي انتهت بالفشل في تحطم الطائرات الأميركية في صحراء طبس.
وكانت تلك العملية نقطة فاصلة في مسار العلاقات بين الدولتين، إذ صار العداء بينهما مكشوفاً معلناً والى أعلى المستويات.

حاولت إدارة ريغن إعادة القوة والاعتبار الى الولايات المتحدة، خصوصاً بعد الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، فاعتمدت ثلاث خطوات أساسية:

ـ تشجيع نظام صدام على محاربة إيران بضمانات مفتوحة للدعم السياسي الدولي والدعم المالي الخليجي.

ـ السماح لإسرائيل باجتياح لبنان وتقويض الوجود الفلسطيني وقضم مناطق من لبنان.

ـ فصل دول الخليج عن المنظومة العربية من خلال مجلس التعاون الخليجي، لتعزيز موقع السعودية في المنطقة، وتحويل المنظومة الخليجية الى عامل تأثير على الشرق الأوسط من خلال إمكاناتها المالية الهائلة.

النقطة الأهم من بين هذه النقاط، هو العراق، فقد صار قاعدة الانطلاق نحو العدو الجديد، أي إيران. وفي نفس الوقت صار العراق موضع اهتمام الولايات المتحدة ليكون منطقة أزمة. ثم أخذ العراق موقعه أكثر في هذا الاتجاه، في مشروع الشرق الأوسط الكبير، ليكون هو البداية وليكون هو ساحة الصراع الإقليمي التي لا تهدأ.

سليم الحسني

 

 

وسوم
اظهر المزيد

المقالات ذات علاقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق