العبادي الرقم صفر في الدعوة

كان برس |

لم يكن حديثاً عابراً، ولا جلسة مع داعية، ولا حتى مع صديق، إنما كان لقاءً إعلامياً مع فضائية معروفة بعدائها للشيعة وللعراق، مما يستدعي أن يكون الضيف دقيقاً في اختيار عباراته ومفرداته، وهذا ما كان عليه العبادي في مقابلته مع العربية. بل نذهب أكثر من ذلك، ان العبادي بصفته رئيساً للوزراء، كان قد استعد للمقابلة وحضّر أفكاره وكلماته لتكون أجوبته جاهزة تليق بمنصبه الحكومي، وتتناسب مع وضعه في قيادة حزب الدعوة.

جلس العبادي أمام تركي الدخيل، وهو يختزن في رأسه فكرة يريد أن يلقيها على الشاشة، لتصل الى كل مشاهد. وقد طرح الفكرة بعبارات أعدها مسبقاً، كما يبدو من التفاصيل التي ذكرها، وهو ما لم يسمعه أحد طوال فترة رئاسته للوزراء، فهذه المرة الأولى التي يدخل بأدق التفاصيل وبالأسماء.

الفكرة التي سيطرت على العبادي، أنه أكبر من حزب الدعوة، وأنه الرقم الأول فيها، وعلى الدعاة والقيادة أن يكونوا تبعاً له، وأن الدعوة بكل هذا التاريخ المتألق والفكر الحركي والتضحيات الجسيمة، هي دكة ارتقاء يستخدمها عند الحاجة.

(الحزب ينزل معي في قائمة برئاستي) عبارة مقززة تجرح المشاعر، مثقلة بالغرور المنفلت، وقد راح يفصّل الحديث ويبسطه على الشاشة الأكثر عداءً للشيعة.

لا يقول ذلك أبسط داعية، ولا ينظر هذه النظرة الاستعلائية من يعرف معنى العمل الحزبي، سواء أكان إسلامياً أم علمانياً، متعلماً أم أمياً، لأن لها علاقة بالأخلاق العامة، والقيم الاجتماعية، هذا اذا تجاوزنا المفاهيم الحزبية.

في كل الأحزاب التي تشارك في الانتخابات، فان رئيس الحزب (مهما كانت التسمية) هو الرقم الأول في القائمة، ويليه بقية الأفراد. لا تحتاج هذه المسألة الى نقاش واختلاف، لكن العبادي ومعه الراكعون عند بابه، صيّروها معضلة غير قابلة للحل. وتطورت لتُظهر الدعوة وكأنها انشقت عملياً على صراع بين رجلين، المالكي والعبادي.

وبينما عالجت القيادة هذا الخلل الفادح الذي كان نتيجة عناد العبادي وتشبثه بالكرسي ورغبته الذاتية في البروز، بأن عزلت الحزب عن المشاركة الانتخابية، وهو اجراء أعطى للدعوة صفة جيدة في الساحة، جاء العبادي ليكشف السرّ وراء ذلك. لقد أهان الدعوة وداسها بقدميه، من أجل أن يقترب من الكاميرا أكثر، وان يظهر في الشاشة أكبر وأن يسمع الناس صوته أعلى.

أنت يا عبادي قيمتك في الساحة أصوات ناقصة لم تصل عتبة النجاح في الدورات السابقة، وقد منّ عليك المالكي بفائض أصواته، فأخذتها ودخلت بها البرلمان. رغم ملاحظاتي عليه ونقدي الشديد له على مدى سنوات في مئات المقالات، ولا أزال احتفظ بنفس الموقف منه.

لم يُعرف عنك أنك صاحب تضحية، ولا سابقة في الجهاد والنضال، لقد كنت هانئاً تعيش في الظل، ولولا الدعوة لما تجاوزت الصفر بشعرة. ولقضيت بقية عمرك بعيداً عن أجواء السياسة والأضواء، تذهب وتعود مثل مليارات البشر.

هل عرفت يا حيدر العبادي، أن كبار المفكرين والرموز الحركية والقيادات التاريخية في الدعوة، كانوا يتحرجون من كل كلمة تصدر منهم فيها ما يحتمل أن يفهمه السامع بأنه استعلاء على الدعوة؟ وكانوا يؤكدون دائماً في كتاباتهم وأحاديثهم أنهم أبناء الدعوة، وأنهم في خدمتها، وأن الدعوة هي الأكبر والأوسع والأعلى من كل المنتمين لها؟

من المؤكد أنك لا تعرف.. من المؤكد أنك لا تفهم ذلك، فكيف بمقدورك معرفته؟.

العمل الدعوتي يا حيدر العبادي، كبير ثقيل صعب، وانت لست له، ذلك تاريخك الحزبي ينبسط أمامي، لا يعدو أن يكون حضوراً كلامياً جدلياً يتعب السامعين ببعثرته وتشتته.

جعلتك الدعوة رقماً من الأرقام، وقد تفضلت عليك، مثلما تفضلت على كل داعية، لكنك أدخلت هواءً فائضاً في جوفك لتبدو أكبر.

أقولها لك يا حيدر العبادي، لن تذوق الولاية الثانية.

نعم، أنك تتودد للسفارة الأميركية وتخضع للسفير الأميركي في لقائك الأسبوعي المنتظم معه بدون حضور شخص ثالث، والذي لا يعرف عنه أحد شيئاً، وكذلك الأمر مع السفير البريطاني في لقاء اسبوعي منتظم ايضاً. الى جانب رسائل الود التي تبعثها للسعودية وغيرها، لكن ذلك لن ينفعك.

لن يوفق الله تعالى، شخصاً ناكراً للجميل يخطط مع أعداء الشيعة وأتباع مدرسة أهل البيت، ليفوز بكرسي زائل، في مقابل تنفيذ مخطط تدميري للشيعة.

لن يسمح لك الدعاة المخلصون ولا شيعة العراق، أن تحقق طموحك الطائر بولاية ثانية.

ستعود صغيراً مثلما كنت، بعد أن أهنت الدعوة الكبيرة الشامخة بهذا التاريخ العظيم. وستبقى الرقم صفر، لأنك أضعت تسلسل الاعتبارات والقيم الأخلاقية والدعوتية.

سليم الحسني

وسوم
اظهر المزيد

المقالات ذات علاقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق