عيد النساء عربياً: المرأة ماكياج لتجميل وجه الاستبداد

كان برس |

تفاجأ سكان لندن أول أمس باستئجار المملكة العربية السعودية لأغلب شاشات الإعلان العملاقة في العاصمة البريطانية لعرض إعلانات ترويجية لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، كتمهيد لمواجهة الاعتراضات السياسية والشعبية الكبيرة على زيارته التي بدأت أمس لبريطانيا. كل الإعلانات تتضمن صوراً لبن سلمان مع العلم السعودي خلفه، ولكن كثيراً منها ترافقت مع صور نساء محجبات حجابا خفيفا، يشاركن في نشاطات عامة، أو يجلسن خلف مقود سيارة، وهو الأمر الذي كان محظورا عليهنّ قبل تنصيب وليّ العهد، وكان مثار انتقادات وسخرية في أرجاء العالم من كون السعودية هي البلد الوحيد في العالم الذي يمنع نساءه من سياقة العربات.


الرسالة واضحة إذن: عهد بن سلمان يبشّر بحرّيات أكبر للنساء السعوديات، وإضافة إلى السماح لهن بسياقة السيارات، فقد أصبحن قادرات على حضور المباريات الرياضية، وبعض الفعاليات الفنية (بشرط عدم التمايل والرقص)، بل إن الحكومة السعودية العتيدة تجرأت وعينت امرأة في منصب نائب وزير!
وفي هذا السباق العربيّ لإعلاء شأن النساء فقد أعلنت الحكومة المصرية أمس أن نسبة تمثيل المرأة في الحقائب الوزارية هي 20٪ بل إن نسبة وجودها في وظائف الحكومة أكبر (25٪)، وبما أن الحال كذلك، فيجب أن نعترف أن العرب أدّوا واجباتهم المطلوبة نحو المرأة وما علينا سوى الاحتفال مع المسؤولين (والمسؤولات) العرب بهذه الأرقام والإنجازات الهائلة.
لقد تحوّلت سياقة المرأة للسيارة في السعودية إلى رمز لحصار مطبق على المرأة هناك، ولا يمكن بالتالي، إنكار أهمّية هذا الإنجاز وتعبيره عن الانتهاء الضروري لمرحلة من العسف والمهانة والإذلال، كما لا يمكن إنكار أهمّية استلام النساء في مصر وغيرها لمناصب حكومية رفيعة.
يمكن اعتبار نيل النساء لحقوق طال انتظارها كثيراً (كما هو الحال في السعودية)، أو إعطائهن «كوتا» من الوزارات والوظائف (كما هو الأمر في مصر ودول عربية أخرى) انتظاما لتلك الدول في منظومة القيم الإنسانية التي تتشاركها البشرية، وارتقاء في منسوب المدنية والحضارة، لكن المفارقة الكبرى هي أن هذا الارتقاء يتوازى، في الوقت نفسه، مع انحدار تلك الأنظمة إلى حضيض فظيع من قمع الحرّيات العامة بأشكالها المختلفة، يعبّر عن نفسه بتمركز السلطات جميعها في يد فرد واحد، وبطغيان للأمني ـ العسكريّ على شؤون الحياة السياسية بشكل يمنع ظهور أي أصوات أو شخصيات أو أحزاب أو وسائل إعلام معارضة.
تمثّل ذلك في الحالة المصريّة بإقصاء كل المرشّحين الحقيقيين للانتخابات الرئاسية، حيث لاحقت المحاكم أشخاصهم والموالين لهم، وقد طال ذلك حتى من أيّدوا حركة استيلاء السيسي على السلطة، كالمرشح السابق عبد المنعم أبو الفتوح، الذي اعتقل وصودرت أمواله واتهم وحزبه بالإرهاب، أو الأشخاص الذين كانوا، قبل استلام السيسي للسلطة، قيادات عسكرية أعلى منه شأنا في الجيش، كأحمد شفيق وسامي عنان، بل إن التهم والاعتقالات طالت إعلاميين من المحسوبين على السلطة كخيري رمضان، والمثير للسخرية أن القبض عليه كان لمبالغته في مطالبة وزارة الداخلية بامتيازات أكثر لضباط الشرطة وأبنائهم.
وحدث أمر شبيه في السعودية مع اعتقالات طالت أهم رموز الدولة والأسرة الحاكمة ورجال الأعمال، وإذا كانت الاتهامات في مصر تنوس بين التحريض على القوات المسلحة والإرهاب، فإن الحملة في السعودية تركّزت على الفساد، وأدّت إلى نتيجتين: الأولى ابتزاز مئات الملايين من المعتقلين، والثانية «تأديبهم».
وهو ما يعني أن دور المرأة في كل ذلك، هو دور خلّبي يغطّي على إخضاع المجتمع ونخبه بـ«القوة الغاشمة» عبر السماح للمرأة بالسياقة وحضور الملاعب وإعطائها بعض الوزارات غير «السيادية».
ولعلّ أجلى تعبير عن هذه الخدعة «الحربية» يظهر في حادثة التبليغ ضد الكاتب والشاعر المصري جلال البحيري، بعد صدور كتاب له بعنوان «خير نسوان الأرض»، وهو ما اعتبره المحامي المبلّغ «إساءة لجيش مصر»، وقد اشترك الطرفان، الشاعر والمحامي، عمليّاً في كشف الاحتقار الذي يكنّه الذكور، ومؤسسة الجيش، للنساء، الأول بوصف رجال الجيش بالنساء، والثاني باعتبار ذلك إهانة لهم.
استخدام الأنظمة العربية لقضية المرأة ليس غير ماكياج يحاول تجميل وجه قبيح.
(رأي القدس)

وسوم
اظهر المزيد

المقالات ذات علاقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق