فوز اوردغان.. جوار قوي.. عراق قوي

كان برس |

لاشك ان لدينا خلافات متباينة مع دول الجوار.. ومثلها داخل الساحة الوطنية. ومما يؤسف له ان الاغلبية الساحقة بيننا من حكومات ودول وقوى سياسية وثقافة عامة تؤسس سياساتها الوطنية والاقليمية انطلاقاً من هذه الخلافات، فالعدو العثماني والبوابة الشرقية والوهابية والصفوية مفردات اخذت معاني حربية وليس مجرد خلافات عقائدية او سياسية.. لذلك ترى منجزاتنا، ان تحقق شيئاً منها، هشة متقلبة سرعان ما ستنهار. فهذه النظرة هي التي حكمتنا طوال القرن الماضي والحالي، فما ان نفرح لنجاح وانتصار الا ونحزن لسلسلة من الانكسارات والهزائم.. وما ان ينهض بلد الا وينهار غيره.

فهناك جدار سميك نفسي وتعبوي يفصل بيننا وطنياً واقليمياً، وهناك ثقافة لا ترى المشتركات الكبرى، بل تشغلها امور جارية وموروثة جدية وغير جدية، وهذا ما يبقينا جميعاً ضعفاء كدول، وكمنطقة لها ديناميكيات مشتركة من حيث النهضة والانحطاط.
نهنيء الرئيس اوردغان على فوزه، ليس لانعدام الخلافات حول السياسة الداخلية، او حول سوريا والعراق والقضية الكردية، الخ.. بل لاننا نجد ان حصوله على 53% من الاصوات، في انتخابات بلغت نسب المشاركة فيها 87% تقريباً، هو ترسيخ لقوة تركيا، وتوجهاتها المشارقية والاسلامية، بعد تراجع توجهاتها المتغربة. فكبلد اسلامي تقدم تركيا لنا اليوم نموذجاً اخراً لدولة مدنية بقيادات اسلامية، والتي حققت في ظل هذه القيادة نجاحات اقتصادية وادارية كبيرة.. وواجهت –بكلف عالية- محاولات القوى الداخلية والخارجية واسرائيل لاضعافها والتآمر عليها.. مؤكدين ان اضعاف تركيا او اية قوة اقليمية، هو اضعاف للعراق، واية قوة لتركيا او اية قوة اقليمية هي قوة للعراق.
لاشك ان للعراق علاقات تختلف من دولة لاخرى، وهناك روابط وتفاصيل كثيرة تقربنا اكثر لهذا الطرف او ذاك، لكننا كسياسة وكرؤية عامة لابد ان نتعلم كيف نتغلب على اية رؤية تريد اضعاف اي طرف اقليمي.. فنحن لا نعيش في جزيرة معزولة.. وان كل ما يحصل حولنا سينتقل الينا اجلاً ام عاجلا.. وكل ما يحصل لدينا، سينتقل الى محيطنا بشكل او باخر. بهذه النظرة نتعامل مع الجارة ايران، ونعمل على تعزيز وتقوية علاقاتنا بها، ونرى في قوة ايران قوة لنا، وفي ضعفها ضعفاً لنا.. والأمر نفسه بالنسبة للسعودية ودول الخليج وسوريا والاردن وبقية الدول العربية. لهذا نتمنى ان ينتهي مسلسل الحرب والتدخل في سوريا، وان يصل النظام والمعارضة المناهضة للارهاب لاتفاقات دستورية تخرج سوريا من ازمتها، وتجعلها حصينة ضد كل التدخلات الخارجية.. وان تتوقف الحرب في اليمن التي اضعفتها بكل مكوناته، كما اضعفت السعودية والامارات وغيرهما.. ونتمنى ان تتفق المعارضة والحكومة في البحرين ويطلق سراح المعتقلين ويعود السلم الاهلي والسياقات الدستورية. لابد ان ندرك بان المنطقة ان لم تتخلص من اسر قيود وترتيبات سايكس-بيكو واتفاقات سيفر وفرساي ووعد بلفور وتداعياتها والتاسيسات اللاحقة القائمة عليها، فان اي خلاص جزئي ستطوقه مفاهيم خاطئة نشأت في ظل هيمنة كلية.
نهنىء الرئيس اوردغان ونهنىء عبره منافسيه.. فنحن نرى تركيا كلاً واحداً.. فالمنافسون فازوا ايضاً وحققوا نسباً عالية من التأييد، وخرجت الملايين للتصويت لهم، وهو ما لا يمكن تجاهله.. بل ان قسماً منهم فاز وهو في السجن. فالنجاحات الكبرى لا تخلو من تناقضات وسلبيات، بل هي افضل طريق لمعالجتها وتجاوزها.
سينزعج كثيرون ليس من فوز شخص الرئيس فقط، بل اساساً من الزخم الجماهيري الهائل الذي عكسته الانتخابات، ومن ان تظهر تركيا يهذا العنفوان والقوة. لهذا قد تتراجع الليرة، ويتراجع عدد السواح وتوضع العقبات الاقتصادية والسياسية امام تركيا، وتبدأ الحملات اللئيمة ضدها.. لكن تركيا ستتقدم، وسيساهم تقدمها في تقدم المنطقة ومنها العراق، وان ميزاننا وبوصلتنا في ذلك كله هو الانطلاق من ديناميكياتنا المشتركة والتمسك بها عند معالجة خلافاتنا.. بهذا فقط نستطيع ان نكسر المعادلات التي فرضت علينا جميعاً بعد الحربين العالميتين، والتي لا خلاص لشعوبنا في تحقيق مطامحها وحقوقها، دون التخلص منها.

عادل عبد المهدي

وسوم
اظهر المزيد

المقالات ذات علاقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق